ابن كثير

577

السيرة النبوية

قال : " والنبي لا يورث " وهذا اسم جنس يعم كل الأنبياء وقد حسنه الترمذي . وفى الحديث الآخر : " نحن معشر الأنبياء لا نورث " . والوجه الثاني : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد خص من بين الأنبياء ، بأحكام لا يشاركونه فيها ، كما سنعقد له بابا مفردا في آخر السيرة إن شاء الله ، فلو قدر أن غيره من الأنبياء يورثون - وليس الامر كذلك - لكان ما رواه من ذكرنا من الصحابة الذين منهم الأئمة الأربعة ; أبو بكر وعمر وعثمان وعلى مبينا لتخصيصه بهذا الحكم دون ما سواه . والثالث : أنه يجب العمل بهذا الحديث والحكم بمقتضاه كما حكم به الخلفاء ، واعترف بصحته العلماء ، سواء كان من خصائصه أم لا . فإنه قال : " لا نورث ما تركناه صدقة . إذ يحتمل من حيث اللفظ أن يكون قوله عليه السلام : " ما تركناه صدقة " أن يكون خبرا عن حكمه أو حكم سائر الأنبياء معه على ما تقدم ، وهو الظاهر . ويحتمل أن يكون إنشاء وصية كأنه يقول : لا نورث لان جميع ما تركناه صدقة ، ويكون تخصيصه من حيث جواز جعله ماله كله صدقة . والاحتمال الأول أظهر ، وهو الذي سلكه الجمهور ، وقد يقوى المعنى الثاني بما تقدم من حديث مالك وغيره ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " لا تقتسم ورثتي دينارا ، ما تركت بعد نفقة نسائي ومؤنة عاملي فهو صدقة " . وهذا اللفظ مخرج في الصحيحين ، وهو يرد تحريف من قال من الجهلة من طائفة الشيعة في رواية هذا الحديث : ما تركنا صدقة بالنصب ، جعل ما نافية ، فكيف يصنع بأول